الشنقيطي
93
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام ، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل ، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنه لما سأل عليا رضي اللّه عنه هل خصهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيء ؟ قال له علي رضي اللّه عنه : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه اللّه رجلا في كتاب اللّه وما في الصحيفة الحديث « 1 » فقوله رضي اللّه عنه : إلا فهما يعطيه اللّه رجلا في كتاب اللّه يدل على أن فهم كتاب اللّه تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس ، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون . وما ذكرنا أيضا أنه يفهم منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة تعين حملها على الجميع كما حققه بأدلته الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه اللّه في رسالته في علوم القرآن . وصرح تعالى بأن القمر في السبع الطباق في قوله : أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : 15 - 16 ] فعلم من الآيات أن القمر في السبع الطباق ، وأن اللّه حفظها من كل شيطان رجيم ، فلم يبق شك ولا لبس في أن الشياطين أصحاب الأقمار الصناعية سيرجعون داخرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر والوصول إلى السماء ، ولم يبق لبس في أن السماء التي فيها القمر ليس يراد بها مطلق ما علاك ، وإن كان لفظ السماء قد يطلق لغة على كل ما علاك ، كسقف البيت ، ومنه قوله تعالى : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [ الحج : 15 ] الآية . وقد قال الشاعر : وقد يسمى سماء كل مرتفع * وإنما الفضل حيث الشمس والقمر لتصريحه تعالى بأن القمر في السبع الطباق ؛ لأن الضمير في قوله : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ راجع إلى السبع الطباق وإطلاق المجموع مرادا بعضه كثير في القرآن وفي كلام العرب . ومن أصرح أدلته : قراءة حمزة والكسائي فإن قتلوكم فاقتلوهم [ البقرة : 191 ] من القتل في الفعلين ؛ لأن من قتل بالبناء للمفعول لا يمكن أن يؤمر بعد موته بأن يقتل قاتله ، ولكن المراد : فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر ، كما هو ظاهر . وقال أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً ؛ وصح كون السماوات ظرفا للقمر ؛ لأنه لا يلزم من الظرف أن يملأه المظروف . تقول : زيد في المدينة ، وهو في جزء منها .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد حديث 3047 والديات حديث 6903 و 6915 ، والترمذي في الديات حديث 1412 ، والنسائي في القسامة ، باب سقوط القود من المسلم للكافر ، والدارمي في الديات 2 / 190 ، وأحمد في المسند 1 / 79 .